تقليماً لأظفار ذهوله من هذا الزمن الذاهل عنه ؛ انتزع نفسه من براثن الرصيف ، وأسرج صهواتِ خياله ؛ لينطلق حصان أفكاره في مضمارٍ لا حدود له ، ولا إشارةَ مرورٍ توقفُ حمرةُ طرفِها ركضَه . . . لم تكن نظراتُ الناس بأقلَّ من الشمس حِدّةً ، تلك التي استطاعت أن تصل ما بين حاجبيه ، وأن تجعله مقطّباً _ وليس كذلك _ وتلبسَه قناعَ سُمرة. تركَتْ أصابعُه بصماتِها على كلِّ نافذةِ سيارةٍ ، وصوتَ طرقها في كلِّ أذنٍ ، وصورتُه ما تزال منطبعةً على أبواب العيون الموصدة . كانت لوحة الإعلانات بظلالها أرأفَ به منهم ، ولكنها مغروسةٌ في الأرض بينما الشمس تختال كلّما خطَّتْ سطراً جديداً من الغضون على سِفرها العظيم الذي ملأَتْه تقطيباً. قطَع حبالَ أفكاره المهترئةَ بوقُ سيارةٍ فاخمة ، سبق ظلَّه إليها ، غمس وجهه في النافذة ؛ ليَعُبَّ من هواء مكيفها ، قدَّم بضاعته المزجاةَ من معطِّرٍ فاغمٍ ومناديلَ وشمسيةٍ وطائرين حبيسينِ هو ثالثها !! قلَّب الرجلُ البضاعةَ ليتمتّع أطفالُه بدلاً من انتظار الضوء الأخضر فقط . . . !! أعادها إليه حين أشار الضوء الأخضر بمجرد أن قارن بين جدواها وبين حال بائعها الأسمرِ ، وبشكلٍ لافت للنظر تتايعَت السيارات _ بعد انتظار طويل . . . قد يصل إلى دقيقةٍ _ حتى كادت إحداهنَّ تدعسه . حمل بعدها بضاعته إلى أمه العمياء المتقوقعة في زاويةٍ من غرفةٍ غيرِ مفروشة ! وقد توغّل السغَب في طغيانه إلى جعلها جلداً على عظم ، وجعل جلدها متقشّراً من الجفاف ، وعروق يديها ناتئةً . . . آه يا للبؤس . . . سمعَت صوت قدميه فمدَّت يدها تتحسّسه ؛ فمدَّ يده خالية الوفاض ! ضغطتْ يدُها كفَّه واسترسلَت بصوت كحفيف الريح لتصبّره _ وهي تبكي!! _ ثمَّ مدَّت له أخته الشاحبة كسرةً من الخبز ؛ فبلّلها وفتّتها وأطعم بِها طائريه !! قال _ ليقطع الصمتَ _ : أمي ، أنا لا أريد أن أذهب بعد اليوم ، فقد أدركتُ بحدسي ما الذي تعنيه ألوان الإشارة ، لِمَ لا يكون الأحمر طرفَ الحظ مبدياً لنا احمراره ؟ لِمَ لا يكون يأسي موقداً في القلب ناره ؟ لِمَ لا يكون دمَ أحلامي وصباي ؟ . فزعَت : لا يا صغيري بل . . . ؛ فقاطعها : والأخضر ، لِمَ لا يكون ربيعَ الحياة متأنّقا لسوانا ؟ لماذا أبقى وحدي عندما يضيء وجميع الناس يسيرون ، بلى يا أمي إنه دعوة من روض النعيم لسواي . وضغطَت كفَّه وقد عضَّت شفتيها حتى لا تنحدر عبرة اليأس ، بينما استرسل : والأصفر ، لِمَ لا تَصدُقين وتقولين إنه أمل الحياة يفلُّ أشرعته لسوانا. . . زهرة حياتي منهارةً . . . بسماتي الشحيبة ؟ لِمَ لا يكون غبارَ المقابر بدأ يطمرني وإياكِ ؟ لِمَ لا . . . . . . . . . . . . . . . . . انحدرتْ دمعةُ يأسِها وتركَتْ يدَه غيرَ مختارة !!
* * *
خرج مهيضَ البوحِ بعد أن تأكد أن جسمها بارد ، ولم يكن هذا البائس يملك ثمناً يشتري به كفناً لها !! وقف أمام أول رجلٍ قابله بعد خروجه يستجديه مالاً ليكفن ذلك الجسد المسجّى ، فانزوى الرجل ، وبينما كانت ازدراءاتُ الناس تتبادله . . لمحَه رجلان غليظا القلب شديدان كأنـهما زبانيةٌ . . استوقفاه . . سألاه : عمّ يبحث ؟ استبشر الصبي خيراً وكأنما بشّراه بأن أمه لم تمت . . أخبرهما بأنه يحتاج مالاً. . فقبضا عليه بصفتهما مكافحة التسوّل . . . لم يصدّقا صراخه ودموعه وأنه يبحث عن ثمن كفنٍ لأمه زاعمَين بأن هذه حيلة ، ولا بد من سَجنه !! وحينما وصل المخلصان إلى السجن طلب من الموظّف أن يكتب له رسالةً إلى أخته . . فنهَره الموظف قائلا : إننا نحن سنخبرها بوجودك هنا ، فلا داعي إلى هذه الرسالة . . فأخذ يرجوه ويتوسّل إليه ، والموظف المخلص ينهره دون أن يستفسر عن فحوى الرسالة . . مرّت سنة كاملة . . والصبي يحاول فيها أن يكتبوا لأخته الرسالة . . تغيّر الموظف فحلّ مكانه موظف جديد فقال الموظف : ماذا أكتب لها ؟؟ اكتب : (( أختي العزيزة . . . سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وبعد إذا متُّ أنا فلا تحاولي أن تشتري لي كفناً ، والسلام .
أخوك ))
وحين وصل الموظف _ متعجّباً _ بالرسالة إلى بيتهم وجد جمعاً هائلاً عند بيتهم . . هاهم الجيران يقفون متعجبين ، وأحدهم يقول للآخر : لم أفهم شيئاً من رسالة هذه البنت ، لقد كتبتْ رسالةً لأخيها ، تقول فيها : (( أخي العزيز . . . سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وبعد إذا متُّ أنا فلا تحاول أن تشتريَ لي كفناً ، والسلام .
أختك ))
! ! ! . . .
كُن وردةً، عطرُها حتى لسارقها *** لا دمنةً، خبثها حتى لساقيها