تابع
المفارقة الثالثة : لا يوجد إعادة
امتحانات الدنيا يمكن أن تتكرر، يمكن أن يعيد الدور الثاني، أو يعيد السنة يمكن أن يغير المدرسة كلها، يمكن أن يغير الدراسة من باب إلى باب آخر، يشق طريقه بأي وجه من الوجوه، أما إختبار الآخرة إختبار واحد، ليس فيه إعادة وليس فيه زيادة إذا سلمت ا لورقة لا يوجد لجنة رحمة ولا غير ذلك من الأمور إلا ما قضاه الله سبحانه وتعالى، فلذلك أيضاً يتنبه الإنسان في هذا الباب كثيراً، لأن الله سبحانه وتعالى بين أنه لا عودة إلى الدنيا { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } .. { قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } .
والله سبحانه وتعالى يقول : { ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون } ، ويقول الله سبحانه وتعالى : { ولو أني لي كرة فأكون من المحسنين } .
انتهى الأمر وهو أمر واحد فقط، وكذلك ما هي نتيجة إختبار الدنيا، أن تأخذ شهادة تأخذ منصب، تأخذ نوع من الفخر الفارغ أو نوع من التعالي الذي لا قيمة له، أما الآخرة فشهادة وثمرتها جنة عرضها السماوات والأرض، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنة : ( فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب البشر ) .
وشهادة الجنة هي التي يقول فيها الله سبحانه وتعالى : { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم } .
هذه الشهادة لا يوجد لها ورقة، لأنه إذا انتهى من الثانوية يأخذ ورقة يدخل بها الجامعة، وإذا خرج من الجامعة يأخذ ورقة يدخل بها الوظيفة، أما هنا فيأخذ شهادة يدخل بها الجنة فلا يخرج منها أبداً ، ونعيم لا ينقطع مطلقاً، بل هو في زيادة وتضاعف عظيم عند الله سبحانه وتعالى .
المفارقة الرابعة : لا واسطة إلا بإذن
امتحان الدنيا يمكن ان يجد الطالب فرصة ليغش وممكن بعد أن يسلم ا لورقة يوسط للمدرس من يوصيه به خيراً ليزيد له في الدرجات او ليتجاوز عن الأخطاء والهفوات، كلها أمور واردة ويتعلق بها الإنسان كثيراً ويفكر ويقول لعل وليت، أما في الآخرة فلا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه، وينقطع كل أمر إلا ما قضى الله سبحانه وتعالى، وليس هناك مجال لأن تستزيد أو تأخذ دعماً من أحد كلٌ يقول : نفسي نفسي، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لا أحد ينظر في أحد { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، ليس هناك من شيء أبداً إلا من أتى الله بقلب سليم، ورحمة يفيض بها الله على من يشاء، وشفاعة يأذن بها لمن رضي عنه جل وعلا، فلذلك ينبغي أن ينتبه الإنسان وليعلم أن الشهادة وأن المراوغة يوم القيامة لا توجد، إذا سأل تحرك كذباً وزوراً ختم الله على فمه، ونطق جلده ونطقت يده ونطقت رجله : { يوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } .. { وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطلق كل شيء } .
لا مجال هناك للمراوغة ولا للغش أبداً بل كل شيء يظهر على حقيقته أظهر ما يكون وأوضح ما يكون، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي أخرجه مسلم
( أول من تسعر بهم النار ثلاثة … ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به، فعرّفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ) ، فمن كذب في هذا الاختبار عوقب أشد العقاب، فليس هناك مجال لا للغش ولا للشفاعة ولا للوساطة من هذا النوع أبداً مطلقاً .
المرحلة الثانية : ماذا بعد الاختبار
المعلم الأول : فرحة غامرة أو حزن دفين
ما الذي يحصل بعد الاختبار في اختبارات الطلاب وفي اختبارات الدنيا، يحصل رسوب أو نجاح، شقاء أو سعادة، حزن أو فرح لكن أمره سهل، وبعض الناس طبعاً ممن تبلدت أحاسيسه يرسب وهو في قمة الفرح ؛ لأنه لا يدرك ولا يفهم أثراً لهذا الاختبار ولا قيمة له، لكن في قرارة نفسه حزين، في قلبه لذعة ؛ لأنه يرى الناس والطلاب من حوله كل معه، شهادة النجاح وان افتخر وان ادعى كما نرى في بعض الطلاب كاذب في شعوره، كاذب في التعبير عن شعوره، لماذا فرح ؟ لأنه نجح، ولماذا حزن ؟ لأنه رسب، سبحان الله وتجد هذا لا يخصه وحده إذا فرح ونجح إذا ابتسامة الأم عرضها كعرض البيت وإذا صياح الأب وتهليله كأنما فتحت الدنيا ! وكأنما انتصرت الأمة وكلٌ يفرح بطريقته، وإذا رسب تجد سحابة مظلمة تخيم على البيت .
هل نفرح لأمر الآخرة إذا وفق الإنسان إلى طاعة ؟ وهل يفرح الآن فرحاً صادقاً إذا رأى ابنه مستقيماً على أمر الله مرتاداً للمساجد ملتزماً بسنة الرسول يقضي وقته مع القرآن ويعيش في رياض القرآن ويرتاد حلق العلم ؟ هل يحدث الحزن إذا تم التفريط في أمر الآخرة، إذا فاتت صلاة الفجر، إذا تأخر عن أداء صلاة الجماعة، بل عن أداء الصلاة بالكلية ؟ لا حزن ولا اهتمام ..
الصحابة كان الواحد إذا فاتته ليس صلاة الجماعة بل تكبيرة الإحرام ورد أنهم يعزونه، وكانوا إذا فاتت الواحد منهم الجماعة ورد أنه يُعزَّى ثلاثة أيام وهو حزين والناس يرثون له ..
هذا سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - يقول : جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثى مالي قال لا قلت فالشطر يا رسول الله فقال لا قلت فالثلث يا رسول الله قال الثلث والثلث كثير أو كبير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك قال فقلت يا رسول الله أخلف بعد أصحابي قال إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة يرثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة .
لأنه أدركته الوفاة بمكة وهو من المهاجرين كان يحب أن يموت بالمدينة ، لأن المهاجرين كان مهاجرهم المدينة ولا يعودون منها أبداً، ما ورد أن أحداً من الصحابة رجع إلى مكة، نعم خرجوا الى الأمصار وساحوا فيها ولكن ما رجعوا إلى مكة وأقاموا فيها، فلذلك انظر إلى هذا الحزن وإلى هذا التغير ولأمر الدين ولأمر الآخرة .
النخلة وشجر البوادي
كان إذا نبغ الابن منهم في أمر الدين، ورد في صحيح الإمام البخاري في حديث ابن عمر رضي الله عنه حديث المعروف : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس أصحابه : ( إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المسلم في نفعها ) ، فوقع الأصحاب في شجر البوادي، كل منهم يذكر اسم شجرة ورسول الله لا يوافقهم، كان في الأصحاب عبد الله بن عمر وكان صبياً يقول: فوقع في نفسي أنها النخلة، ولكن كان في المجلس أبو بكر وعمر فلم يتكلما، فاستحييت أن أتحدث بوجودهما ثم قال عليه الصلاة والسلام: إنها النخلة، فلما خرج عبد الله مع أبيه عمر بن الخطاب ، قال عبد الله: يا أبت والله لقد وقع في نفسي أنها النخلة، فقال عمر بن الخطاب : والله لئن كنت قلتها، لهي أحب إلي من الدنيا وما فيها .
يعني كان سيكون في قمة ا لفرح ولو أتي الدنيا بما فيها، لو أن ابنه قال هذه الكلمة، هل ليفتخر لا ليبرز علمه وفقهه وفطنته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .
نافق إذْ عافس !!
الصحابة كيف كانوا يفرحون ؟ متى كانوا يحزنون ؟كل ذلك متعلق بأمر الدين .. بأمر ما يفتح الله له من الخير، يقول الصحابي الجليل حنظلة الأسيدي: لقيني أبو بكر وقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله، ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يذكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عنده عافسنا – لاعبنا وخالطنا - الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا! فقال أبو بكر: فو الله إنا لنلقى مثل هذا. قال حنظلة: فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافَسْنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة – وكررها ثلاثا ) رواه مسلم في صحيحه.
تلك ساعات الصحابة وليس ساعة وساعة التي يستشهد بها الناس، ويطبقونها تطبيقاً سيئاً ساعة فيها شيء من الطاعة الشيء اليسير وساعة فيها من المعاصي ما لا يعلمه الا الله سبحانه وتعالى.
أين فرحنا بأمر الدين فرحنا بالتوفيق للطاعات ؟ وأين حزننا إذا فاتتنا الصلوات وإذا قصرنا في هذا الأمر، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ابك على خطيئتك وليسعك بيتك )
حزن على فوات التضحية
وكما فعل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورة فريدة رائعة - لا يوجد في التاريخ فيما أعلم مثلها أبداً- الصحابة الذين أطلق عليهم اسم البكاءون جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ليخرجوا معهم إلى الجهاد والغزو عند الاستعداد لغزوة تبوك، وهم صفر اليدين ليس عنده مال ولا زاد ولا رواحل يركبون عليها، قالوا : يا رسول الله احملنا معك نجاهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا أجد ما أحملكم عليه ) فما كان منهم ؟! { تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَناً ألا يجدوا ما ينفقون } .
حزنوا أن فاتتهم هذه الفرصة من الطاعة، وهي ليست فرصة من الطاعة، بل هي فرصة شاقة شديدة في حر شديد ، في صحراء ضاربة عبر الجزيرة إلى أقصى شمالها، لا يلقون فيها أرض خضراء ولا أهلا ولا أحبة ، إنما يلقون فيها موتاً أحمراً، ويلقون فيها سيوفاً مشرَفَة، ولكن حزنوا في أنفسهم حزناً عميقا على ما فاتهم من الطاعة، وحزنا على ما يقع من تفريط في جنب الله !
الملمح الثاني : ترقب على الجمر
تجد الناس مترقبين للنتائج ، فالذي يذهب من الصباح الباكر قبل الفجر وعند أبواب المطابع والجرائد، ينتظر الجريدة لينظر النتيجة، أجبت أم لم تجب، إجابات جيدة لكن لا يطمئن القلب حتى يرى النتيجة بأم عينيه، ويبقى في هذه الفترة مترقباً وهو على جمر من النار، فإذا طلعت النتيجة كأنه يسكن ويطمئن إذا فاز ونجح .
والله سبحانه وتعالى بيّن أن المسألة على أعظم من ذلك، وأشد وأكبر وأرهب وأعظم هولاً وأشد خوفاً وخطراً .. الناس في ذلك الصعيد في الحشر الأعظم، والعرق يبلغ من الناس إما إلى العقبين أو الركبتين أو الحقوين أو الكتفين، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، والشمس دنت إلى رؤوس الخلائق قدر ميل، والرسل والأنبياء يقولون : " نفسي .. نفسي " وكل تبرأ من صاحبه، ثم يأتي قول الله جل وعلا : { فمن زُحزِح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } .
" زحزح " يعني كأنه كان يوشك أن يقع في النار فزُحزِح، هذا الذي زُحزِح، فكيف بالذي أصلاً نجى وكان سابقاً ومقدماً ؟ فهذا هو الترقب تصور هذه النتيجة العظمى .
والله سبحانه وتعالى يقول : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة }
وهذا الثبات والترقب ينبغي أن يكون به استعداد ويبقى قلق : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا }
صحيح ! صدقوا في الإيمان وأخلصوا في الطاعات وواظبوا على الفرائض، ومع ذلك أعدوا العدة، ثم بعد ذلك يترقبوا النتائج .